الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

214

نفحات الولاية

والتشبيه المذكور ينسجم وما ورد في القرآن الكريم بشأن دور الجبال في استقرار الأرض « وَأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » « 1 » . أجل لولا هذه السلسلة العظيمة من الجبال لسلبت السكينة والاستقرار من الناس بفعل الضغوط الجوفية لباطن الأرض من جانب وتأثير جاذبية الشمس والقمر وجزر ومد القشرة الأرضية من جانب آخر وأخيراً هبوب العواصف ، ولا نعدمت المياه التي تنهمر من السماء فتصب في البحار والمحيطات وتشكل مصادر الأنهار والأبار والعيون . فوجود الإمام المعصوم والعالم العارف يشكل معين الخير البركة والسكينة لكل امّة . إلى جانب كون تعبير الإمام عليه السلام يشير إلى تعذر سبر أغوار أفكار الإمام عليه السلام والوقوف على كنه شخصيته وذروة علمه ومعرفته ، ولا يتيسر ذلك إلّالمعلم الإمام نبي الإسلام محمد المصطفى صلى الله عليه وآله . حتى صحابة الإمام عليه السلام كانوا ينتهلون حسب استعدادهم من منهله العذب ويحيطوا بظاهره على قدر معرفتهم وعلمهم « 2 » . النقطة الأخرى الجديرة بالذكر تكمن في الاستفادة من الأنهار في حركة الرحى وتنبع هذه الأنهار من الجبال كما أنّها تفصل هذه الرحى عن الجبال . ولعل العبارة المذكورة إشارة إلى هذا المعنى ، أي أنا المحور والرحى والقوة المحركة المليئة بالعلم والمعرفة . وكما أشرنا آنفا فان قمم الجبال تختزن بركات السماء كحبات ثلج ثم تفيض بها على الأرض الهامدة المتعطشة للماء ، ويمكن أن تكون العبارة إشارة إلى قرب الإمام عليه السلام من الوحي والاغتراف من كوثر النبي صلى الله عليه وآله . ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بالسيل في العبارة هو علم الإمام عليه السلام الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » « 3 » كما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه فسر « ماء معين » الواردة في الآية 30 من سورة الملك « قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكمْ بِماءٍ مَعِينٍ » بعلم الإمام عليه السلام « 4 » .

--> ( 1 ) سورة النحل / 11 . ( 2 ) للوقوف على حقيقة التعبيرات الواردة بشأن أمير المؤمنين علي عليه السلام وأفضليته المطلقة على من سواه من أفراد الامّة ، نكتفي بالايضاحات التي وردت في مقدمة الكتاب بشأن فضائله ومناقبه عليه السلام . ( 3 ) للوقوف على إسناد هذا الحديث المعروف في مصادر العامة ، انظر إحقاق الحق 5 / 468 - 501 . ( 4 ) تفسير نور الثقلين 5 / 386 وليس هنالك من منافاة بين هذا التفسير وذلك الذي فسره بالماء الجاري ، 2 ولا التفسير الذي ورد في بعض الروايات من أنّ المراد بالماء المعين أصل وجود الإمام عليه السلام ، وذلك لإمكانية جمع هذه المعاني في مفهوم الآية .